الحرية بين التوحيد والشرك
فال أحمد عصيد: : [القول: إن إيمان الناس بآلهة
متعدّدة لا يحرّرهم من الخوف، يتعارض مع مبدأ الحرية، لأن الإيمان بالآلهة
المتعددة كان عمليا أكثر حرية من التوحيد]
وهذا
كله خطأ من العيار الثقيل..وورطة علمية كاملة الأركان وبيان ذلك أنه زعم
*أن التوحيد لا يحرّر الإنسان من الخوف من قوى
الطبيعة.. وزعم أن مبدأ الحرية يقول: الإيمان بآلهة متعدّدة يحرّر من الخوف من قوى
الطبيعة
والجواب على هذا أن الخوف من قوى الطبيعة أمر فطري
حتمي ...ولا يمكن في الغالب التحرر منه...وهذا يومئ إلى الحالة المتطرفة التي وصل
إليها فكر أحمد عصيد...إلى درجة الحديث عن التحرر مما لا يمكن التحرر منه غالبا...فالخوف
من قوى الطبيعة منة ربانية تحفز على اتخاذ الاحتياط والحذر...ولا يزال الناس
بمختلف مذاهبهم ومستوياتهم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية يخافون
الزلازل والبراكين والأعاصير والتسونامي وغيرها...ولذلك أعتبر كلام أحمد عصيد نوعا
من السذاجة الفكرية... فلا يقول مثل هذا الكلام إلا معاند مخبول...فإن كان يقصد
الخوف الناتج عن الجهل بالجانب غير المكشوف من الظواهر..فالجواب أن معرفته لا
تأثير له ...فالخوف متعلق بالأضرار التي تنتجها لا من الجهل بأسبابها.!!
ومع
هذا فنقول باعتبار آخر: إن التوحيد يحرر العبد من الخوف من قوى الطبيعة...وهذا
غريب بادي الرأي... ورفع الإشكال كالتالي:
ينقسم الخوف في الثقافة الإسلامية إلى أقسام منها:
خوف الجبلة وخوف العبادة..أما خوف الجبلة فقد بينا موقف العقل منه..وأما خوف
العبادة فهو الخوف الذي استطاع التوحيد أن يحرر العبد المؤمن منه..وهو خوف يربط
الخائف من الظواهر الكونية بها برباط التعظيم والقصد عند الافتقار..وهذا لا يكون
عندنا إلا لله تعالى وحده..وهو جوهر التوحيد..خلافا للمشرك الذي لا يستطيع التحرر
من خوف تداخل فيه الجبلي والتعبدي..فالتوحيد يخلص الإنسان من عبوديته للظواهر أو
لتفسيراتها الأسطورية ...التي أنتجت مجموعة
من طقوس القربان لها دفعا لشرها....!ولذلك قال تعالى : (فلا تخافوهم وخافون إن
كنتم مؤمنين) (175) أي أن مقتضى الإيمان والتوحيد أن لا يخاف إلا
الله تعالى تحررا من كل خوف تعبدي لغيره.
ولعل من أظهر الآيات القرآنية في هذا وأصرحها قوله
تعالى : (الذين آمنوا ولم يلبسوا
إيمانهم بظلم, أولئك لهم الأمن وهم مهتدون ) والقصد بالظلم هنا الشرك لقوله تعالى : (إن
الشرك لظلم عظيم...) ومعنى
الآية السابقة أن الموحدين لهم الأمن فلا خوف..والهدى فلا ضلال بخلاف المشركين الذين يتخذون مع أو دون الله
إله أو آلهة....وأحمد عصيد يقول: التوحيد لا ينتج الأمن ..بخلاف الشرك...وصدق الله
القائل : (ومن أصدق من الله حديثا لقوم يوقنون.)..صدق الله وكذب أبو عصواد!
إن من المقرر في الثقافة الشرعية التوحيدية أن
الاستسلام لله بالتوحيد تحرر بامتياز من كل قصد لغيره تبارك وتعالى, فلا يستحق
التعظيم والخوف التعبدي إلا الخالق البارئ المصور..ولذلك قالت أم مريم عليها
السلام: (ربي إني نذرت لك ما في بطني محررا) فجعلَتْ (لك) قرينة
(محررا) فتأمل.
وقد
تمادى أحمد عصيد في الاستهانة بالتوحيد فزعم أن:
*التوحيد يقدم تفسيرا بسيطا لقوى الطبيعة. ويقصد
عصيد أن القول بأن ما يجري في الطبيعة من فعل
الله وتدبيره.. تفسير بسيط لتلك القوى
والظواهر..وهو جرأة وتطاول..وبيان ذلك :
أن للظواهر تفسيرين: باطني ظاهري...أما الباطني
ففعل الله تعالى وتدبيره..وهو القائل: (وَمَنْ
يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ
اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ) (31).وهذا التدبير جعله الله موكلا إلى
ملائكته فقال: (فالمدبرات أمرا) ولا يهمني أن يؤمن أحمد عصيد بهذا لأكتبه..فإني
أخاطب به من يقبل مني الاحتجاج بالوحي.
وأما
التفسير الظاهري فمجموعة القوانين الكونية والفيزيائية والكيميائية
والبيولوجية..ولا تعارض..فتلك القوانين لابد لها من مدبر وهو الله تعالى موكلا بها
ملائكته.
ثم
زعم أحمد عصيد في لؤم وخبث أن:
*الإيمان بالآلهة المتعددة
عمليا أكثر حرية من التوحيد..أي أن المشرك يمارس نوعا من الحرية في اختيار إلهه
وإن شاء في نطاق الحرية الكاملة أن يجعل لنفسه إلهين أو أكثر إلى مائة فلا بأس
..بل ذلك عنوان التحرر من كل القيود التي تدعو إلى التزام إله معين..واحد..!
وهذه الحرية هي التي يستهجنها العقلاء..حرية تبيح
لأصحابها وأد العقل والفطرة...وإطلاق الأهواء من كل قيد ..ولو كانت النتيجة أن
يتخذ الإنسان مركز الكون عند الوجوديين أمثال عصيد حفنة رمل -كما ورد في بعض
الآثار - فيصب عليها شيئا من الحليب ثم يسجد لها رغبة ورهبة...هذه هي الحرية
العصيدية صانعة الحمق والجنون...فمقتضى الحرية عنده إقرار الحمق في المجتمعات العاقلة...كيف لا والجنون فنون
عندهم.
يحاول عصيد أن يوهم أن حالة المعدد في الآلهة حالة
استقرار نفسي وعلامة صحية كما يقولون...وكتاب الله تعالى يدل على عكس ذلك تماما,
فالمعدد يعيش حالة من القلق والاضطراب..لأن وجود آلهة مختلفة مظنة التنافس على
المخلوقات, واضطراب أحوال الكون للتدافع الحاصل بين الآلهة وتمايزهم واختلافهم في
طرق تدبيره وقد قال الله تعالى :
(مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ
إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ
سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (المؤمنون/91)
وقال:لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا
فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (الأنبياء/22) وهذا من
الاستدلال بالتمانع على وجود إله واحد...فكيف يمكن أن يكون الاطمئنان والثبات
النفسي في كون يكاد تنافس الآلهة فيه يفسده...ولكن أبا عصواد لا يعقل.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق